مؤسسة آل البيت ( ع )

114

مجلة تراثنا

إنه يقول : " من عاد لمثلها فاقتلوه " ! ! ( 16 ) . وفي هذا وحده دليل كاف على إلغاء صفة الشرعية عن تلك البيعة ، فإنما هي بيعة ساقتهم إليها الأحداث ، فلا يصح العودة لمثلها بحال . وهكذا دافع عنها أبو علي الجبائي والقاضي عبد الجبار ، فقالا : إن الفلتة ليست هي الذلة والخطيئة ، وإنما تعني البغتة من غير رؤية أو مشاورة ، ويقصد عمر بقوله " من عاد إلى مثلها فاقتلوه " أن من عاد إلى الطريقة التي تمت بها البيعة لأبي بكر من غير مشاورة أو عذر ولا ضرورة ، ثم طلب من المسلمين البيعة ، فينبغي قتله ( 17 ) . هذا ما كان يعرفه الصحابة وكثير غيرهم عن تلك البيعة إذن . . . أما عامة المتأخرين فكأنهم قد عز عليهم أن ينظروا إليها بتلك النظرة ، فأضفوا عليها صبغة الشورى ليجعلوا منها - في ثوبها الجديد - الوجه الشرعي الأول في اختيار الخليفة . ولم يكتف بعضهم بهذا القدر حتى أضفى عليها صبغة الإجماع ابتداء ، كما فعل ابن تيمية ! ( 18 ) . غير أنها دعوى لا يؤيدها شئ من النقل الصحيح ، بل حتى غير الصحيح ، فليس في شئ من أخبار تلك البيعة ما يشير إلى ذلك الإجماع من قريب أو بعيد . والذي دعا ابن تيمية إلى هذا هو عقيدته في شرط صحة البيعة ، إذا كان يرى - وفقا للمذهب الحنبلي - أنه يشترط لصحة البيعة اجتماع جمهور أهل

--> ( 16 ) الملل والنحل 1 / 30 ، شرح المواقف 8 / 358 . ( 17 ) المغني 20 / 340 ، وعنه الدكتور مصطفى حلمي / نظام الخلافة بين أهل السنة والشيعة : 46 . ( 18 ) أنظر : منهاج السنة - لابن تيمية - 3 / 215 و 217 و 218 .